السلمي
79
المقدمة في التصوف
وكان المعتزلة قد رفعوا رؤوسهم ، فلما شاهدوا طريقة الأشعري أطرقوا وخضعوا ، فأحجزهم حجز الضباب وكان حقّا على اللّه نصر المؤمنين . ثم إنّ أبا الحسن الأشعري لما ترك مذهب الاعتزال ، وأظهر طريقة أهل السّنّة والجماعة تناظر يوما مع « الجبائي » « 1 » وقال له : ما تقول في ثلاثة أخوة : مات أحدهم ، كبيرا مطيعا ، منقادا للأوامر ، والآخر : كبيرا عاصيا غير منقاد لها . والثالث : صغيرا لم يبلغ الحلم . فقال الجبّائي : أمّا الطائع : ففي الجنّة والدرجات . وأمّا العاصي : ففي النار والدركات . بناءا على أن ثواب المطيع ، وعقاب العاصي واجبان على اللّه تعالى عندهم . وأمّا الصغير : ففي الجنة . فقال له الأشعري : أيساوي الطائع فيها ؟ أي : في الدرجات . فقال الجبّائي : لا ، لأن الطائع عمل الصالحات ، واكتسب الخيرات . فقال الأشعري : فيقول الصغير : يا رب كان الأصلح لي أن تبقيني حتى أبلغ ، وأعمل ؛ فأساوي أخي . قال الجبّائي له : يقول الربّ له : علمت أنك لو كبرت كفرت فدخلت النار ، فكان الأصلح لك أن أميتك صغيرا . قال الأشعري : فيقول العاصي ؛ بل سائر أهل النار . بل كان الأصلح لي يا رب أن تميتني صغيرا . فماذا يقول الرب .
--> ( 1 ) الجبائي : هو محمد بن عبد الوهاب بن سلام بن خالد بن حمزة بن أبان الجبائي البصري المعتزلي ( أبو علي ) ، متكلم ومفسر ولد بجبا بخوزستان وإليه تنسب الطائفة الجبائية ، وتوفي بالبصرة ودفن بجبا ، من آثاره : تفسير القرآن . ( معجم المؤلفين 10 / 269 ) .